ما سر التقارب الامريكي – الروسي المتسارع في سوريا ؟

ما سر التقارب الامريكي – الروسي المتسارع في سوريا ؟

إن الاجتماع الذي دام لمدة 5 ساعات ما بين وزير الخارجية الأمريكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يمكن وصفه بالأمر نادر الحدوث، إن لم يكن من الصعب، إن بوتين يقوم باستثناءات نادرة جداً، لاستقبال وزراء الخارجية، في حين كان دائما يقوم باستقبالهم عقب محادثاتهم مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، إن جميع هذه المقاييس تجعل من اجتماع وزير الخارجية الامريكية جون كيري مع بوتين يوم الخميس الماضي في الكرملين غير اعتيادي.
لقد اتجه كيري مباشرة نحو الكرملين بعد هبوط طائرته في موسكو مساء الخميس، حيث قام بإجراء محادثات طويلة مع بوتين دامت حتى 01:00 بعد منتصف الليل، إن ظهور بوتين النادر في المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية كيري، وإن “لغة جسد” بوتين حينها، ومن ثم المؤتمر الصحفي المشترك لكيري ولافروف، سعى بوضوح إلى نقل الانطباع بأن الولايات المتحدة وروسيا كانا يعملان على مشروع كبير مشترك بالنسبة للصراع السوري.
لا أحد من رجال الدولة الثلاثة، لا بوتين ولا لافروف ولا كيري- كانوا متأثرين وحتى عن بعد بالطاقة السلبية المنبعثة من اجتماع القمة رفيعة المستوى لمنظمة حلف شمال الأطلسي، والذي جرى في وارسو قبل أربعة أيام من لقائهم، والذي برزت فيه الهيمنة والعزيمة القوية للتحالف الغربي للدفاع وردع الميول العدوانية التي تنظر فيها روسيا نحو أوراسيا.
كيري سيقوم لاحقاً بإجراء لقاء مع مجموعة مختارة من الحلفاء الأوروبيين في لندن لاطلاعهم على “الخطوات الملموسة التي تخطط لاتخاذها من قبل الولايات المتحدة وروسيا”، بينما كشف بأنه أجرى اتصالا هاتفيا مع لافروف يوم الثلاثاء، كما وصف بأن الروس والأمريكيين يعتقدون بأنهم لديهم تفاهماً مشتركاً حول الاتجاه الذي يسيران فيه، وما ينبغي تحقيقه، كما سيلتقي فريقاهما قريباً من أجل الاستمرار في فعل ذلك، ومن أجل تعزيز وقف الأعمال العدائية، وزيادة قدراتهم على محاربة تنظيم القاعدة، والنصرة، وكذلك مكافحة تنظيم “الدولة”.
كل شيء قد يبدو جيدا جدا ليكون واقعياً، ولكن وبالنظر لكيري كدبلوماسي محنك شغل لمدة 30 عاماً منصب عضو في مجلس الشيوخ في حين ترأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والآن ككبير دبلوماسيي الولايات المتحدة لأكثر من 3 سنوات، فلماذا تقوم الولايات المتحدة بشكل فجائي بإعطاء مثل هذا الضجيج لمشروع سلام مع روسيا، وهي قوة إقليمية قوية، لاستئناف العملية السياسية السورية؟
لطالما سعت الولايات المتحدة دوما “للتعامل الانتقائي” مع روسيا بشأن القضايا التي تهم واشنطن، في الوقت الذي تواصل استراتيجية فيه الاحتواء على مسار آخر، لربما قد يكون قد تم “دعك” لافروف برفق حينما قام كيري بالاتصال به هاتفيا في يوم الخميس لمناقشة “خطوات ملموسة” بشأن سوريا بشكل متابع لمحادثاته في الكرملين الأسبوع الماضي.
من اللافت للنظر، قراءات وزارة الخارجية الروسية والتي قامت بإشارة ساخرة إلى لافروف أيضا، في جملة من الأمور، والاستفادة من هذه الفرصة لتذكير كيري برفق كيف أن إدارة أوباما أيضا في نفس الوقت تتحرك بشتّى الأشكال لإذلال روسيا بشأن جبهة أخرى عن طريق الحفاظ على تنحيتها من “ريو” دورة الالعاب الاولمبية، حيث تقول تلك القراءات بأن “على السيد كيري الموافقة بأن الرياضة لا ينبغي تسيسها”.
ألن تكون موسكو على علم بأن كيري من الممكن حتى أن يكون منافقاً في وفاقه مع روسيا بشأن سوريا؟ ألا تعلم موسكو بأن إدارة أوباما تقف الآن على ساق واحدة وأن الوقت ينفد؟ إن النقطة هي أن هنالك لوبي قوي في واشنطن، بما في ذلك وزارة الدفاع وعلى ما يبدو ضمن نطاق وزارة الخارجية نفسها، والذي يعارض وبشدة أي شكل من أشكال التعاون ما بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا، والذي لا يؤدي إلى الإطاحة ببشار الأسد في المدى القريب.
في الواقع، فإن الولايات المتحدة قامت بدأب بإشراك روسيا حول خلفية الأحداث المأساوية في تركيا، حيث تحوّلات ميدان الجغرافيا السياسية للمنطقة، ومن المثير للاهتمام، قيام كيري برحلته غير المجدولة والمستعجلة إلى موسكو في الأسبوع الماضي، قبل أربعة أيام من قمة حلف شمال الاطلسي، بل حتى في الوقت الذي كان فيه الإعداد لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا.
في الواقع، فقد كان كيري على وشك لقاء بوتين في الكرملين حينها، أو أنه قد قام فعلاً بالتحدث معه، حتى في الوقت الذي بدأ فيه الانقلاب في تركيا، إن هنالك حلقة ما مفقودة، أليس كذلك؟ يكفي القول، بأن الكثير يتوقف على الحد الذي علم كيري (إدارة أوباما) في الواقع عن الانقلاب الذي حدث في تركيا.

بطبيعة الحال، فإن الانقلاب الفاشل في تركيا أصبح لحظة حاسمة بالنسبة للصراع السوري، إن الجيش التركي والدولة والمخابرات التركية، والقيادة السياسية، جميعها تمرّ الآن في اضطرابات، ستجعل أنقرة ببساطة تفتقر إلى الانتباه أو القدرة المطلقة على مواصلة انتهاج سياسة التدخل في سوريا في المستقبل المنظور.
وفي الوقت نفسه، فقد تسللت الشكوك الكبيرة في علاقات تركيا مع الولايات المتحدة وأوروبا، في حين أن موسكو على علم بأن تركيا بحاجة ماسة لمصافحة اليد الروسية، والذي سيضيف في الواقع من خيارات روسيا السياسية والعسكرية في سوريا.

ولكن، فما الذي ستحصل عليه روسيا في المقابل؟ المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية “ريو”؟ ليس من المفترض أن يُستَغرَبَ أن تقوم اللجنة الأولمبية الدولية بإجراء تغيير في اللحظة الاخيرة لتقول من قلبها ‘دا’ للفريق الروسي، في نهاية المطاف، إن حدث هذا، فإنه سيكون الثمن الأفضل للمقايضات الروسية-الأمريكية، والتي عمل كيري بجدّ وكدّ لإنجاحها.

Loading...